dentists

تم نشرها في الأصل  من قبل الثورة الديمقراطية، الأسلوب السوري

لم تحصل عبر التاريخ البشري ثورة مشابهة  للثورة السورية.

فلم يجرأ الناس عبر التاريخ الإنساني على الصراع ضد مصفوفة من القوى مفروضة عليهم مثل الشعب السوري. فقد إمتدت تلك القوات ضدهم من نظام بشار الأسد مع كل مقدراته – من غاز السارين، صواريخ السكود، طائرات الميغ المقاتلة، المنافذ الإعلامية المتحالفة، و زمرة الأغبياء المفيدين مثل روبرت فيسك. فلم تقتصر تلك القوات على القوات المسلحة للأسد و و لكنها شملت القوات المسلحة لحزب الله، إيران، و الميليشيات العراقية، و عشرات الآلاف من الرجال الشيعة مع إمدادات غير محدودة من الأسلحة الروسية الحديثة، مع نظام قيادة و سيطرة متطور، و البلايين من الدولارات الموجودة تحت تصرفهم، بالإضافة لبنية تحتية لوجستية تمتد من طهران إلى بيروت. و قد عمل ضدهم تحالف آثم للقوى الإمبريالية ( في الشرق و الغرب ) و خصومهم من ” مناوئي الإمبرالية” ، و التي قام فيه راند باول و دونالد رامسفيلد بالتكاتف سويةً مع جورج جالوي و نيكولاس مادورو للعمل على إبقاء الشعب السوري منعزلاً سياسياً بينما كان يحارب أكثر شخصية فاشية دموية بعد أدولف هتلر. فقد وقفت ضدهم القوى المجتمعة من المجاعة، الأوبئة، التشكيك و الإستخفاف،  الخيانة و الغدر، الشلل ( الجمود و العجز )، التناحر الداخلي، اللامبالاة و عدم الإكتراث، الإنهزامية، الإعياء و التعب ، إستنزاف القدرات و الموت.

و على الرغم من جميع تلك العوائق، قام الشعب السوري بتحرير ما يقرب من نصف بلاده من سيطرة النظام، ووقفوا حينها ليشهدوا سرقة إنجازاتهم على يد من يُسمون بالدولة الإسلامية و جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة. الذين مع المساعدة الدولية، سيقومون بهزيمة و تدمير أولئك الغاصبين و إنهاء ما بدأ كثورة الشعب لأن يصبح و بسرعة إلى حرب الشعب.

و كان التالي هو تطور نتج من صراعهم غير المسبوق في التاريخ من أجل الحرية،  من وجهة نظر المادية التاريخية.  

برميل بارود من بين العديد

أدى حرق بائع الفاكهة محمد البوعزيزي لنفسه إلى إشعال كامل منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا بضراوة، و كان ذلك فقط لأن كل شعب من الشعوب التي تأثرت بالربيع العربي ، كان برميلاً من البارود على وشك الإنفجار. و لم تكن سوريا إستثناءاً في ذلك، و لكنها كانت متاخرة بشكل خاص في الإنفجار. فقط في 15 مارس 2011، و بعد شهر واحد من ثورة 17 فبراير في ليبيا، و شهرين من ثورة 25 يناير في مصر، و ثلاثة أشهر بعد المظاهرات التي أطاحت بالطاغية التونسي بن علي. حينها فقط حصلت  حركة المظاهرات السورية على قوة جذب كافية ما بين الحشود ، للوقوف في وجه آلة القمع – الوحشية على نحو خاص– لنظام الأسد.

كان العقد الذي سبق الثورة ، عقداً غير سار بالنسبة ل 99% من سكان سوريا . فنظام بشار الأسد الذي “أصلح” النظام الإشتراكي الوطني، الذي ورثه عن والده ، حتى أصبح نظاماً فاشياً ، يملأه الفساد على أعلى المستويات. فالدعم الحكومي للوقود، الغذاء ، الأسمدة، و المبيدات الحشرية تم تقليصه حتى عندما كانت أسعار تلك المواد قد إرتفعت بشكل كبير في الأسواق العالمية. و مثل تلك التقليصات ضاعفت سعر الديزل بثلاثة أضعاف بين ليلة و ضحاها في مايو 2008 و ضاعفت أسعار الأسمدة الكيماوية بعد مرور سنة. و تم إنشاء نظام مصرفي خاص. و الإحتكارات الوطنية المحمية  ، التي تم منحها إلى (صغار) المنتجين السورين ،بدأت في الإنتهاء. و تم تخفيف التقييدات على الإستثمار الأجنبي و تدفقت بذلك رؤوس الأموال من دول الخليج، الأمر الذي أدى لطفرة في قطاع العقارات في المدن. و بينما تضاعف الناتج المحلي الإجمالي ثلاثة مرات من 21$ بليون دولار إلى 59$ خلال الفترة الباكرة من حكم بشار، إستخدمت عائلة الأسد إحتكارها لآلة الدولة حتى تصبح غنية بشكل خرافي. فإبن خال بشار الأسد رامي مخلوف ،  قام بشق طريقه بشراسة إلى قمة نخبة ريادة الأعمال، حيث أصبح بليونير شركات إتصالات ، يملك نسبة هائلة تقدر ب 60% من الإقتصاد السوري في وقت إندلاع الثورة.

و بينما كانت العائلات المتنفذة في النظام منشغلة في إثراء نفسها و في التحول إلى طبقة برجوازية ليبرالية جديدة، كانت طبقة الفلاحين و الأرياف التي يسكن فيها ما يقرب من نصف سكان سوريا معرضةً للإهمال الخبيث. 47% من الآبار في محافظة الرقة لم تكن تعمل على الرغم من أن الآبار كانت تستخدم لري50% من أراضي الريف المروية. كان 90% من المحصولات السورية تتم زراعتها على مياه الأمطار و في الوقت الذي حلت فيه مواسم الجفاف في 2006 – 2010، كانت خمسة من كل سبعة أحواض مائية في الريف ذات مستويات سلبية  من المياه. فقد تم تبديد إحتياطات المياه على يد النظام في سعيه لتحقيق أهداف تنافي بعضها البعض: الحصول على إكتفاء ذاتي في محصولات القمح من جهة ( و هو أمر مستحيل) و دعم صادرات القطن المربحة، و التي تستهلك المياه بكميات هائلة من جهة أخرى. حيث دفع المزارعون ثمناً باهظاً لعدم مقدرة النظام على حل التعارضات المتشكلة ما بين سياساته  في الإكتفاء الذاتي و تلك في الزراعة الموجهة نحو التصدير.

في السنة الأولى من الجفاف، إنهار إنتاج القمح في المناطق غير المروية، حيث إنخفض بنسبة 87%.  في 2008، فُقد  90% من محصول الشعير و بذلك فقد مربي المواشي الصغار 70% من قطعانهم. و قد تأثر حوالي 1.3 مليون سوري كنتيجة لتلك المصيبة.حيث  فقد ما يقرب من 800,000 إنسان 90% من مدخولهم. في 2009، تم الإبلاغ عن 700,000 منزل – أو 3.5 مليون إنسان –بأنهم يعيشون دون أي مدخول على الإطلاق، حيث كان معظمهم في محافظة حلب. و قد إرتفع  معدل الفقر الريفي الكلي إلى 60% في المناطق التي أصابها الجفاف، و بذلك إرتفع معدل الفقر إلى 80% حيث عاش الناس على لا شيء، ماعدا الخبز و الشاي المحلى بالسكر.

و الذي كان يحدث في الأرياف لم يبق فيها. فقد أدت مواسم القحط و الجفاف و رد الفعل الإجتماعي عليها إلى تغيّير في هيكلية الطبقات الإجتماعية السورية. فالزراعة، و التي تم إعتبار أنها كانت تشكل سابقاً حوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي و من إجمالي القوى العاملة، قد تقلصت إلى 17% على كلا المقياسين،  و لأول مرة في تاريخها أصبحت البلاد مستوردة للقمح بدلاً من مصدرة له. و عندما عم الفقر الأرياف فر الفقراء إلى المدن و ضواحيها، ليجدوا معدلات بطالة عالية تواجههم  مع تدني معدلات الأجور. و بينما قام الإقتصاد السوري بإنتاج الثروة بشكل سريع في العقد الأول لحكم بشار، فإنه لم يقم بإيجاد وظائف للعمل –  حيث تم إنشاء 40,000 وظيفة عمل في السنة، للقوى العاملة التي كانت تتمدد بشكل سنوي بحوالي 100,000 – 300,000 باحث عن عمل. و كان معدل البطالة الرسمي هو 8% ، و لكنه في الواقع  كان أكبر من تلك النسبة بمرتين أو بثلاث مرات. و أدى تدفق ما يقرب من 1 مليون من العائلات المزارعة سابقاً إلى  سوق العمل- التي كانت تصارع  في ذلك الوقت للتكيّف مع معدلات الولادة العالية في البلاد، التي أدت  لإرتفاع عال في معدل البطالة- إلى جعل مشاكل الأجور المتدنية أكثر سوءاً،  و أدت بذلك للدفع بالأجور الحقيقية إلى الإنحدار جنباً إلى جنب مع مستوى إنفاق الأسر على المعيشة. و مع حلول 2009، كان المنزل السوري في المتوسط ينفق 653$ في الشهر الواحد ، و التي يذهب منها 295$ على الغذاء لوحده ، بينما كان  71% من العاملين يجنون 274$ في الشهر.

كانت الوضع في سوريا مهيئاً للثورة، بسبب” الإنفصال العنيف عن  البنية الفوقية السياسية البائدة، و التعارض بينها و بين العلاقات الجديدة للإنتاج ، و هي التي أدت لإنهيارها في لحظة معينة” كما يشرحها لينين.

و قد حصلت تلك اللحظة في 15 مارس، 2001.

الفاشية بخصائص سورية

و بشكل مشابه لنظرائه الفاشيين في العراق و ليبيا، كان نظام الأسد نتيجة لسلسلة من الإنقلابات و الإنقلابات المعاكسة في أوج فترة القومية العربية  و ” الإشتراكية العربية” في الستينات و السبعينات من القرن العشرين 1960 و 1970. و قد إختارت تلك الصراعات و بشكل طبيعي الجلادين الأكثر تآمراً، حقارةً و إنعداماً للرحمة. و فقط من خلال شحذ تلك الصفات لدرجة الكمال، إستطاع الباقين في تلك العملية الداروينية أن يحصلوا على الحق في الحكم، في  إدارة ، و السيطرة على آلة الدولة .

كان المنتصر في الصراع الشخصاني من أجل الحصول على القوة في سوريا هو حافظ الأسد، و هو ناشط بعثي علوي، و الذي صعد ( مثل حسني مبارك في مصر ) خلال الرتب العسكرية لسلاح الجو. و قام هذا الفلاح الذي إنقلب لطاغية ، بوضع نهاية للإنقلابات المتواصلة التي ألمت بسوريا منذ حصولها على إستقلالها من فرنسا في 1946. حيث كان إنقلابه هو السادس و الأخير في فترة 24 سنة. و قام بدهاء و بصورة ممنهجة ببناء نظام جعل من الإنقلابات و التغيير السياسي أمراً مستحيلاً. و تكّون قلب النظام الداخلي من عائلته، عائلة الأسد، سواءاً كان ذلك بأن يكون من العائلة نفسها  أو عن طريق المصاهرة و الزواج. حيث قاموا بشغل المناصب الأكثر قوة أو حساسيةً في الجهاز الأمني- العسكري. أما قلب النظام الخارجي، و الذي يتمثل في المناصب الأمنية- العسكرية الأقل رفعةً و لكنها مع ذلك قوية، فقد تكّون من القبيلة التي إنتمت إليها عشيرة الأسد، و هي المتاورة. أما القبائل العلوية الرئيسية الثلاث الأخرى فقد شغلت مناصب نخب الخدمات الأمنية-العسكرية مثل الحرس الجمهوري. و تم بناء سلسلة القيادة في الجهاز الأمني- العسكري بصورة تسلب قياداته من أية إستقلالية. فالوحدات القوية لم تتمكن من إتخاذ الأفعال دون معرفة و موافقة الجنرالات من الوحدات الأخرى أو من الرئيس نفسه.

و مع العائلة، القبيلة و العلاقات الطائفية التي شكلت سلسلة من الحلقات الأمنية الإجتماعية حول حافظ الأسد و عشيرته، فقد شكّل الجنرالات ، السياسيين و رجال الأعمال من السنة القشرة الخارجية للنظام، موسعين بذلك قاعدته الإجتماعية لخارج جزئية الطائفة. وقد قامت شبكات التعيينات، المحسوبيات، و المحاباة  مع الزواج إلى توطيد إرتباط  قلب النظام العلوي بقشرته السّنية الخارجية. و زواج بشار من أسماء يمكن فهمه فقط في هذا السياق، لأن الزيجات السنية-العلوية نادرة جداً في سوريا خارج دوائر النخبة. و التحالف ما بين البرجوازيين العلويين و السنة، الشركاء القدامى و الجدد في الإستبداد، سيبقى حتى يتم خلعه قطعة و راء قطعة، منصب وراء منصب، تفجير وراء تفجير، إنشقاق وراء إنشقاق على يد الثورة التي لم تُبقي للنظام الكثير من واجهته السنية.

ongoing
سلافة حجازي: أعمال غير معنونة من السلسلة “Ongoing”، 2012

كان بناء تراتبية عسكرية مانعة-للإنقلابات أمرأ ضرورياً و إن لم يكن كافياً لمنع محاولات إزاحة الأسد عن السلطة بشكل دائم. و كتأمين إضافي لذلك، قام حافظ الأسد بإنشاء عدد وافر من وكالات التجسس المرعبة من أجل فحص مدى قوة الجيش و فحص كل وكالة تجسس.

الحرب الطبقية و نظام الطائفة-طبقة

يتكون الشعب السوري من أربع طبقات رئيسية:

(رجال الأعمال ( البرجوازية

(عمال الأجور ( طبقة البيروليتريا)

(المزارعين، التجار، البائعين، رجال الأعمال الصغار، ذوي الأعمال الحرة، المحترفين ذوي الثقافة العليا، المدراء ( طبقة البرجوازية الصغيرة في الأرياف و المدن .

(العاطلين عن العمل بصورة مزمنة، المعدمين، المتشردين، صغار المجرمين ( طبقة اللومبنبروليتريا.

هذا المخطط المبسط و عديم الحياة لنظام الطبقات في البلاد هو في الواقع معقد بشكل غير إعتيادي  كنتيجة للدور الذي تلعبه الطوائف و الطائفية.  و من أجل الحفاظ على مواقعها في قمة نظام الطائفة-طبقة. قامت عائلة الأسد بشكل مستمر بالتلاعب ب- و إدارة الطوائف في سوريا. حيث قاموا بتهدئة الأكثرية السنية المضطهدة بينما كانوا يقومون في نفس الوقت بإبتزاز و إضطهاد إخوانهم في الدين، الأمر الذي أدى لظهور مشهد غريب لدولة يهيمن عليها العلويون، تشجع الإسلام السني في الكتب المدرسية الحكومية، تبني المساجد السنية في المناطق العلوية، تشجع القوانين السنية الإسلامية و المحاكم الدينية ( الشرعية)  في ما يتعلق بالأحوال الشخصية، و ترعى رجال الدين السنة – كل ذلك بينما تمنع العلويين من ممارسة شعائرهم بشكل منفتح أو أن يقوموا بتكوين مجموعة من رجال الدين لهم.

قام النظام بوضع جميع الطوائف و الطبقات في صراع مع بعضها البعض و في صراع فيما بينها، محدثاً بذلك نظاماً معقداً، دائم التوتر. الأمر الذي لم يؤدي فقط إلى تحيّيد قطاعات المعارضة المحتملة، و لكنه و بشكل أكثر أهمية، ضمن للنظام دوره كالضامن الذي لا يمكن الإستغناء عنه و المحّكم لهذا التشكيل الهش، و الذي من الممكن أن يؤدي أقل تشويش فيه إلى تهديد جميع اللاعبين بكارثة تهدد وجودهم، الأمر الذي أدى لربط مصالحهم ببقاء النظام. هذه العمارة المجتمعية كلها قد كفلت بأن المعارضة للنظام لن تنشىء بشكل منظم بين الطبقات المجتمعية، بغض النظر عن الطائفة ، و قد أدى لوضع منصة النزاع الحالي بين ثورة هي تقريباً بالإجماع سنية في مظهرها العام و القوات الموالية للنظام، و التي تتمتع بدعم بشبه إجماع من العلويين.

فالثورة السورية بذلك هي حرب ما بين الطبقات و لكنها ليست بحرب طبقة ضد طبقة أخرى من التي توحد غير الملاك ضد ملاك الأراضي، طبقة العمال ضد الرأسماليين، الفقراء ضد الأغنياء. لكنها، و كنتيجة لتركيب نظام الطائفة-طبقة الذي اشرفت عليه عائلة الأسد ، وحدت الثورة العديد من الطبقات ضد النظام، حتى عندما كانت تفصل تلك الطبقات داخل نفسها. فالفقر المنتشر الذي أجبر السنة -مع عدم وجود ما يخسرونه – على حمل الأسلحة في وجه النظام أدى بنظرائهم الفقراء العلويين إلى فعل العكس، و أن يحملوا بذلك الأسلحة للدفاع عن النظام، لأنهم وجدوا  خطراً مادياً و إجتماعياً فيها. ( يُقدّر الأكاديمي فابريس بالانتشيه بأن 90% من السكان العلويين يعملون من أجل الدولة.)

كان التمزق الذي حصل في الطبقات الدنيا قد قابله تمزق في الطبقات العليا. حيث قام بعض رجال الأعمال السنة ببيع كافة ممتلكاتهم  و أنفقوا مدخراتهم التي جنوها طوال الحياة على تسليح الألوية العسكرية لإسقاط النظام بينما قامت شرائح أخرى من البرجوازيين السنة مثل عشيرة بري بالموت دفاعاً عن النظام. و بشكل مشابه، قامت الغرفة التجارية في حلب بإستنكار الخطاب “الإشتراكي” لعناصر المعارضة بينما قامت الغرف التجارية في حماة، حمص و دير الزور بالإنضمام إلى – أو بتاييد الإضرابات العامة في 2011 للتظاهر ضد قمع النظام. في تلك المناطق ، قامت المحلات بإغلاق أبوابها و أغلقت المشاريع الكبيرة و الصغيرة ابوابها عندما قام العمال بالإمتناع عن العمل، و بتوحيد قوى العمل مع عناصر رأس المال في القتال ضد الفاشية. هذا التحالف العابر- للطبقات – المتأصل في الثورة الديمقراطية المناوئة للفاشية – يمكن رؤيته أيضاً في تاريخ الأعمال للقادة الثوريين المشهورين:

sarout
عبد الباسط الساروت كان بناءاً قبل أن يصبح نجم لعب كرة قدم
(و مقاتل في فيلق حمص (فيلق حمص
saleh
الراحل عبدالقادر الصالح كان تاجر حبوب، باع كل ممتلكاته لتمويل لواء التوحيد خاصته ) لواء التوحيد).
zoubi
بشار الزعبي جمع ثروة من صناعة السياحة قبل أن يصبح قائد الجبهة الجنوبية لجيش سوريا الحر.
jamalmarouf
جمال معروف كان عامل بناء قبل أن يقود ( المنتهية الآن ) الجبهة الثورية السورية.
Syrian rebel leader gives speech to Islamist militants with Hello Kitty notebook
زهران علوش كان مقاول أسس شركة خدمات دعم للبناء قبل فترة طويلة من تأسيسه جيش الإسلام ) جيش الإسلام).

و الطبقة الوحيدة التي لم يتم تمثيلها ما بين قادة الثوار هي طبقة اللومبنبروليتريا . فالأفراد من هذه الطبقة نزعوا لقيادة عصابات من اللصوص، الخاطفين، و المجرمين بدلاً من الإنطواء تحت الجيش السوري الحر أو وحدات الجبهة الإسلامية.

القوى الدافعة للثورة

قبل الثورة، كان الهيكل الطبقي لسوريا مهيمناً عليه من قِبل طبقة البرجوازية الصغيرة و التي كانت تتصف بشكل متزايد بصفات اللومبنبروليتريا، وكان تقسيمها الطبقي متأخراً  في تطوره  مع الخصومات المتأصلة التي تضرب جذورها في التخلف الإقتصادي. و من ما يقرب من 6.0 مليون – شخص قادر من قوى العمل قبل الثورة، لربما كان منهم 2.5 مليون فرد من العاملين بالأجرة. كانت التجارة ( على شكل مشاريع إستيراد- تصدير) و التبادل التجاري هي الموارد الأساسية لثروة الطبقة البرجوازية بدلاً من وجود صناعة عريضة النطاق، و التي كانت نادرة الوجود. كان المصدر الرئيسي للعملة الصعبة لدى النظام ، يتمثل في الزراعة و في صادرات البترول، و هي القطاعات التي إحتكرتها أو سيطرت عليها الدولة بدلاً من برجوازيي القطاع الخاص. أما الشركات الصغيرة و متوسطة الحجم – و العلاقات الإجتماعية الحميمة و الأبوية بين رب العمل و العامل التي تستلزمها – فقد سيطرت على المعاقل الصناعية حول دمشق و حلب. وكان ما يقرب من 500,000 من شركات البلاد، و التي يُقدّر عددها ب 600,000 شركة ، توظف أقل من خمسة عمال. و بالتالي، ألقى العامل باللوم على فقره-  ليس على المشّغل ( الذي كان يجاهد أيضاً لإطعام عائلته)- و لكن على النظام، و على العائلات المتنفذة  فاحشة الثراء، و على ظروف الإقتصاد الكلي مثل الفقر، البطالة، ركود النمو الإقتصادي، و قوى السوق المجردة التي قامت بإستمرار برفع الأسعار و خفض قيمة الأجور.

لقد بيّن ماركس بأن النمو الإقتصادي الرأسمالي سيتجه لتبسيط صراع الطبقات إلى علاقة ذات جانبين، حيث يتم سحق صغار الملاك نتيجة لمنافسة الشركات الكبيرة، و بأن الصراع الإجتماعي المستقبلي سيتكون من طبقة بروليتريا التي نتجت من الثورة الصناعية، و التي ستقاتل على جانب من الحاجز الثوري من أجل الإشتراكية،  بينما تكون برجوازية الشركات الكبيرة المساهمة على الجانب الآخر تقاتل من أجل الرأسمالية. و في حالة سوريا القرن الواحد و العشرين الفاشية، فقد تحقق بعض أجزاء نبوءة ماركس. فالمزارعين تدمروا بصورة جماعية ، لكن ليس بالتحرك المتجه نحو الأمام لإستبدالات الرأسمالية عديمة الشفقة للحِرّف اليدوية و الزراعة الفردية صغيرة النطاق بالإنتاج و الصناعات الزراعية واسعة النطاق، و لكن بفترات القحط في سنوات 2006-2010، و  لعدم التحرك المأساوي للنظام في التعامل معها. حيث هرب المزارعون من الأرياف بحثاُ عن العمل كأجراء من الذين لا يملكون أية أملاك ، و لكنهم لم يجدوا أية أعمال أمامهم. فقوى الإنتاج و البنى التحتية للبلاد كانت متروكة دون إستثمارمنذ أربعة عقود على يد آلة الحرب في الدولة ، و التي كانت جيوبها  منتفخة بالأموال عن طريق الإجرام  و بسبب المعونة شبه الإشتراكية لرفاق النظام من المنتجين الرأسماليين ، الذين- بدلآً من ” إحداث ثورة مستمرة في أدوات الإنتاج”-  قاموا بإنتاج منتجات تافهة  و ثانوية  و أبقوا على إنتاجية قوى العمل في وضع الركود. وقد عنى التخلف الإقتصادي الدائم بأن الفروقات الطبقية في الجهة السفلى للسلم الإقتصادي بين الطبقات العاملة، التجار، البائعين، المحترفين، و الباعة المتجولين، و العاطلين عن العمل قد أصبحت غير واضحة بدلاً من أن تصبح أكثر بروزاً. حيث  قام ما يقرب من 40% من موظفي الدولة بالعمل في وظيفة إضافية ، حتى أنه أبُلغ عن أن حراس بشار الشخصيين،  قد عملوا كسائقي أجرة من أجل كفاية مصاريفهم الشهرية. أما في النهاية العليا للسلم الإقتصادي، فقد كانت التراتبية الإجتماعية للبرجوازيين بين أولئك  العاملين داخل النظام و أولئك الموجودين خارجه قد أصبحت مكثّفة ، حيث جنى العاملون داخل النظام الأرباح بشكل رائع من إصلاحات السوق الحرة ، التي قام بها النظام الفاشي الفاسد بينما خسر الذين في الخارج في مقابلهم.

الطبقات الإجتماعية التي حركت إنتفاضة 2011 و الحرب الثورية التي تبعتها لم تكن طبقة البروليتريا الصناعية لماركس و لا طبقة المزارعين المطالبين بالأراضي كما في الأيام السالفة ، و لكنها  طبقات السانتكلوتس السورية المشابهة لطبقات السانتكلوتس الجمهورية الفرنسية في القرن التاسع عشر ( اللامسترول)، و هي عبارة خليط خشن من العمال، العاطلين عن العمل و الذي يعملون في أعمال لا تكفيهم،  من رجال الأعمال الصغار الذين يكافحون للبقاء، الطلاب الذين لا يملكون إمكانيات للتوظيف، و المزارعون المعدمون. فتمزق الطبقات  لضحايا تعذيب النظام ، و الذي تم تسجيله من قِبل مركز توثيق الإنتهاكات في سوريا يوفر تاكيداً غريباً على هذه الحقيقة. و قد تطورت المعارضة ما بين طبقات الحرفيين و البرجوازيين لاحقاً كنتيجة  لتصعيد النظام في العنف ضد الطبقات الدنيا من عامة الشعب، حيث ظهرت  تلك المعارضة  على شكل المستويات العالية من الإنشقاقات العسكرية، السياسية  و الإقتصادية.

سياسات الطبقة للتحرك الثوري

الإئتلاف الوطني لقوى الثورة و المعارضة السورية( إئتلاف):  و على الرغم من تأسيسه في المنفى، فإن إئتلاف هو المظلة الأوسع، و الأكثرشموليةً للتحالف الداعم للديمقراطية في الثورة. و هو يتمتع بالدعم ( الحاسم عادةً) للعناصر المنظمة للجيش السوري الحر، المجالس المحلية التي تحكم الأراضي المحررة و المناطق المحاصرة، رابطة العلماء السوريين، لجان التنسيق المحلية، المنتدى السوري للأعمال، التجمع الوطني الحر ( للعاملين السابقين في مؤسسات الدولة السورية) و المنشقين المخضرمين مثل جورج صبرا، ميشيل كيلو، و برهان غليون. و في معطيات الطبقات، فإن إئتلاف هو تحالف ما بين طبقات عامة الشعب و البرجوازيين. و قد كان رفض التحالف حضور محادثات جنيف 2 بهدف الوصول إلى تسوية عن طريق المفاوضات مع النظام، و التي ستبقي على مؤسسات دولته قائمة ،قد إنهار بعد أن هددت الولايات المتحدة الأمريكية بوقف الدعم المالي و اللوجستي للمجالس المحلية، لوحدات الجيش السوري الحر، لذوي الخوذ البيضاء من العاملين في حالات الطوارىء، و لإئتلاف نفسه. و مع ذلك، و كمقابل لحضوره المحادثات، نجح إئتلاف في إستخراج إلتزام من الولايات المتحدة الأمريكية بتوفير أسلحة ثقيلة  لوحدات ثوار مختارة  ( إسلامية و غيرها) بشرط أن تدعم تلك الوحدات مسيرة المفاوضات في جنيف.

الجيش السوري الحر: و كما تحول الصراع السلمي إلى صراع مسّلح و بعدها إلى حرب أهلية، قام رجال الأعمال في سوريا و في الخارج بصب مئات الملايين من الدولارات لدعم الميلسيشات المبنية على أساس المناطق و الحارات و التي تم تشكيلها من طبقات البلاد الأربع الرئيسية و التي سمت نفسها بالجيش السوري الحر. و مثل إئتلاف، فعناصره المنظمة ( مثل الجبهة الجنوبية) تدعم تسوية عن طريق المفاوضات مع النظام من أجل إنهاء الحرب.

الجبهة الإسلامية: و بشكل يختلف عن الديمقراطيين البرجوازيين في جيش سوريا الحر و في إئتلاف ، الذين إضطروا للموافقة على الحفاظ على عناصر آلة الدولة السورية، فقد خرجت الجبهة الإسلامية من أجل التدمير النهائي و الشامل و رفضت محادثات جنيف على أنها ” خيانة” للثورة. و يوجد فرق آخر و هو أن برنامج الجبهة يحتوي على إجراءات إجتماعية :” الدفاع عن المستضعفين، شرفهم و أموالهم” و ” إدارة الموارد و الثروة و من ثم إستخدامها لمصلحة الفرد و المجتمع و تلبية الإحتياجات الأساسية للناس فيما يتعلق في الغذاء، الصحة و التعليم.” هذه العدائية التي لا تتسامح مع النظام مع دعم إجراءات دولة الرفاه الإجتماعي، كحماية الفقراء، هي التعبيرات الدينية-السياسية للديمقراطية الثورية و العطش من أجل الحصول على العدالة الإجتماعية لطبقة البرجوازيين الصغيرة في الأرياف و ضواحي المدن.

المجالس المحلية:” إن نقل قوة الدولة من طبقة إلى طبقة أخرى هو الصفة الأولى، المبدأية و الأساسية للثورة.” ( لينين). في معظم مساحة إدلب، في أجزاء من درعا و حلب، و الضواحي المحاصرة في دمشق تمت الإطاحة بالفاشيين و بأتباعهم من البرجوازيين – و لأن الغني و الموسر قد هرب لتجنب الموت  بالبراميل المتفجرة و/أو الموت جوعاً – أصبحت قوة الدولة في يد الطبقات الدنيا من عامة الشعب. و مكان الدولة الفاشية السابقة، التي يحكمها حزب البعث و المخابرات، وُجدت أشكال أولية من دولة ديمقراطية محتملة تحكمها المجالس التي تم إنتخابها لهذا الغرض بالذات، و قد عملت تحت مظلة الأمن التي وفرتها الميليشيات الإسلامية و مليشيات الجيش السوري الحر.

jobar
ثوار شبان في جوبر، دمشق.

الإستنتاج: ستكون سوريا أكثر حريةً

لقد إنبثقت الثورة السورية في 2011 من تعارضات لا يمكن حلها بين الحكم الفاشي المطلق للأسد و بين التغيرات الإجتماعية و الإقتصادية المتعمقة، و التي حصلت في البلاد على الفور قبل الربيع العربي. كان هدف الثورة هو نظام الأسد. و كانت مهمة الثورة هي الإطاحة بهذا النظام من أجل جمهورية ديمقراطية. و كانت القوى الدافعة لهذه الثورة هي الطبقات الدنيا من عامة الشعب ( و هي في أغلبها سنية)، البرجوازية الصغيرة و طبقة البروليتاريا ( العمال)، و بالتحالف مع العناصر البرجوازية المنشقة و المترددة. كانت الثورة بأصولها، أهدافها، مهامها، و التحالفات الطبقية فيها تعني أنها ثورة ديمقراطية مناوئة للفاشية بدلاً من كونها ثورة إشتراكية مناوئة للرأسمالية.

و تبقى الثورة غير منتهية بينما تدخل عامها الخامس. و الفصل ما بين الطبقات السفلى إلى موالين و ثوار هو الأساس الإجتماعي لمقدرة النظام على التكّيف و النجاة  من الإنتفاضة و من الحرب طويلة الأمد التي تلتها. هذا الفصل بين الطبقات يجعل من النصر العسكري لأيٍ من الجانبين أمراً مستحيلاً. ما عدا في حال اصبحت التعارضات في المعسكر الموالي للنظام بين عائلة الأسد و العلويين، أكثر حدة و بأن تصبح بذلك متعذرة الإصلاح ، ستنتهي الحرب بشكل من أشكال التسوية عن طريق المفاوضات. أما النتيجة فلن تكون سوريا حرة، و لكن سوريا أكثر حرية.

Advertisements