تم إصداره في الأصل من قبل الثورة الديمقراطية، الأسلوب السوري

عند مراجعة كتاب جليبيرت أتشكار الأكاديمي التروتسكي عن الربيع العربي الشعب يريد، يؤكد لويس برويكت بأن ” الماركسية الكلاسيكية” تحتفظ بنجاعتها التحليلية و الإستراتيجية  ، و بالرغم من ذلك، فإن المعروض يبدو كما لو أنه يشير إلى العكس. حيث يقارن  برويكت منهج أتشكار في تقييم ثورات الربيع العربي مع منهج المنشق طارق علي الذي إدعى بشكل صريح بعدم وجود ثورات على الإطلاق، فلا توجد ثورة في تونس، مصر، ليبيا، سوريا، البحرين، و لا حتى اليمن في فترة من 2010 و حتى 2014.

و لكن كون علي مخطىء لا يعني بالضرورة أن أتشكار على صواب.

رد برويكت- أتشكار على كذبة علي، هو في أن القوى السياسية  في كل من ليبيا ، تونس، مصر، اليمن و سوريا لم تقم بنقل السلطة في ما يتعلق بالطبقة الإجتماعية ، و في أنها لم تقم  بدراسة التحولات الطبقية في تلك الدول، دون التصريح  بعدم وجود ثورة “حقيقية” بين تلك الثورات لعدم كونها ثورات إشتراكية. و ياتي هذا الرد كمحاولة للإلتفاف حول غباء علي العفوي بدلاً من تحديه ، يصرح برويكت بأن فيتنام لم تشهد ثورة” حقيقية” : ” لم تكن توجد ثورة في فيتنام عندما طردت الإمبراليين الأمريكان. عليك النظر فقط إلى أصحاب الملايين في فيتنام اليوم ، يجنون أرباحهم في  المنشأت الإستغلالية.” و بحسب هذه النظرة، فإن طرد الأمريكيين و الإطاحة بزمرة أصحاب الأراضي الإقطاعيين الرأسماليين في سايجون على يد الثورة الوطنية في 1975 ، لم تحدث أي تغيير في ما يتلعق في الطبقة التي تحكم.

هذه السخافة هي نتيجة للرفض التروتسكي للفهم الماركسي الكلاسيكي حول الأنواع المختلفة للثورات. فقد بينت الثورة الدائمة لتروتسكي بأنه لا توجد ثورة بإمكانها النجاح بشكل حقيقي ما عدا الثورة البروليتارية. و أي شيء أقل من ذلك هو غير “حقيقي” بالمرة.” و لأن الإشتراكية وحدها فقط هي التي بإمكانها إنشاء ” ديمقراطية حقيقية.” و بذلك فالثورة الإشتراكية هي الوحيدة التي من الممكن أن تكون ” ثورة حقيقية”. أما الثورات البرجوازية، الديمقراطية، القومية ، الزراعية التي ناقشها ماركس و لينين عبر مسار حياتهم ، فلا يمكن إعتبارها ثورات بكل بساطة.

و لأن التروتسكية ترفض الإعتراف بأية ثورة لا تندرج في كونها ثورة إشتراكية، في كونها ثورة بمعنى الثورة، و هي تخطىء بالحكم على كل قوة سياسية في حقوقها – الليبراليين، القوميين، الإصلاحيين، و الإسلاميين – على أنهم ثورة مضادة لأنهم جميعاً يعارضون الإشتراكية ، كما لو أن الربيع العربي كان إشتراكياً و مناهضاً للرأسمالية بدلاً من كونه صراع ديمقراطي مناهض للفاشية. في مصر، أدى هذا الخطأ بالثوار الإشتراكيين  إلى تشكيل  كتلة مع حركة تمرد الممولة سراً من الحكومة ، و  التي ساعدت الحكومة في عكس جميع المكتسبات  القليلة لثورة 25 يناير الديمقراطية  و أعادت السلطة المطلقة إلى النظام السابق في ثورة مضادة على شكل إنفجار. و قد شًرع الإشتراكيين الثوار تحالفهم مع الجناح اليساري للثورة المضادة على أساس أن الرئيس مرسي كان ثائر معادي للثورة و بذلك قامت تمرد بقيادة  “الثورة الثانية”  للإطاحة به.

هذا التوجه في رؤية ثائري الثورة المضادة في كل مكان لم يؤدي لحجب وجهة نظر أتشكار لثورة تمرد المضادة. حيث وصف تظاهرات تمرد المناهضة لمرسي ” كثورة غامضة” بالرغم من رعايتهم العميقة من جهة منافذ الإعلام الجماهيرية المؤيدة لمبارك و التي كانت واضحة منذ وقت طويل قبل قيام الجنرال السيسي بالإطاحة بالرئيس مرسي في 3 يونيو. و مثل معظم اليسار الدولي، فقد فشل في التعرف على الثورة المضادة لأنها أصبحت عرائض مطالبات  ثابتة بدلاً من طلقات البنادق، و لأنها إستغلت الخطاب “الثوري ” حول الطغيان و نظمت مظاهرات جابت الشوارع، و لأنها أعادت تسمية نفسها ” تمرد ” ( تمرد) في الوقت الذي أصبح فيه  “البقايا ” (الفلول) مبعثرين بشكل كبير.

فالماركسية تم خداعها بشكل سهل بشكل غير ماركسي  على الإطلاق.

و مثل الثوار الإشتراكيين، قام أشتكار بالتأكيد على نحو خاطىء بأن مرسي كان عبارة عن مبارك جديد، و أنه قام بتفضيل نفس النوع من الليبرالية الرأسمالية الجديدة.

” إرتباط مرسي الأساسي مع مبارك، يظهر في إعتماد مصر الجلي على رأس مال مجلس التعاون الخليجي- مع الفرق في أن قطر قد حلت مكان المملكة العربية السعودية كمصدر الدعم الرئيسي للنظام الجديد، و كما هو طبيعي في ضوء علاقة الإخوان المسلمون مع الإمارة. حيث منحت قطر لمصر قرض بمبلغ 2 مليار دولار و وعدت بإستثمار 18 مليار دولار في فترة خمسة سنوات في مشاريع صناعية و بتروكيماوية ، بالإضافة لقطاعي السياحة و العقارات. و أنها تدرس أيضاً إمتلاك بنوك مصرية. و علاوة على ذلك، قامت حكومة مرسي بطلب قرض بمبلغ 4.8 مليار دولار من مجلس النقد الدولي، مبينة في ذلك أنها ملتزمة بالسير بحسب شروط صندوق النقد الدولي  من حيث إتباع سياسة التقشف في الميزانية و غيرها من الإصلاحات الليبرالية الجديدة”.

و قد إدعى أتشكار في موضع آخر، بأن الإسلاميين ( الذين وصفهم على نحو خاطىء “بالأصوليين”):

” … يقومون فقط بالإستمرار في السياسات الإقتصادية و يبقون على الهياكل الإقتصادية – الإجتماعية التي كانت موجودة من قبل. و هم يستمرون بكل بساطة في العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية. حيث يقبلون بشروط صندوق النقد الدولي، بنفس درجة الحماس التي كانت لدى النظام الذي قاموا بالإطاحة به.”

و هذا كلام مضلل بأفضل حالاته و كاذب في أسوء الحالات. فلم يتلقى مرسي مطلقاً القرض الذي طلبه من صندوق النقد الدولي لأنه توقف في شروط التقشف التي طالبوه بها. و سّجله الحقيقي في المكتب هو في معظمه مغاير للصورة التي قام أتشكار برسمها:

” تحت حكم مرسي، كانت جهود مجموعة الوزراء من حوله ، و  الذين عينهم بنفسه ، قد أدت في سنة واحدة من الحكم إلى نمو بنسبة 12% في السياحة ، نمو 3.7% في الصادرات الصناعية  و الزراعية، و إنخفاض في الإستيراد بنسبة 9% كنتيجة للإستعاضة عن المستوردات، الأمر الذي نتج بصورة خاصة من النمو في إنتاج القمح المحلي، و زيادة بنسبة 100% في الإستثمار  الداخلي.  و كان أحد الإصلاحات المثيرة للإهتمام من التي قام بها مرسي ،  هي في قطاع البترول، حيث تم منح حقوق التنقيب عن الغاز إلى شركة جازبروم لإنهاء إحتكار بي أن بي في مصر، و التي لم تربح أية أموال في عهد مبارك لخزينة الدولة. مع إرتفاع الدخل من الضرائب إلى 30% في السنة ،  و كان نصفها نتيجة لجهود مرسي في المطالبة بالضرائب غير المدفوعة من قبل  نخبة الحزب الوطني الحاكم، و قد تمت زيادة ميزانية الصحة ب 5 مليار جنيه مصري و زيادة ميزانية التعليم ب 14 مليار جنيه مصري.”

جباية الضرائب من أفراد الحزب الحاكم، زيادة ميزانية الصحة بنسبة 18%، رعاية النمو للمشاريع الصغيرة و المتوسطة ، و التشجيع على رأسمالية شعبية عوضاً عن الرأسمالية الدولية من خلال الإستعاضة عن المستوردات هي ليست أفعال  شخص أضحوكة لصندوق النقد الدولي و لا هو متزمت  كمؤمن بالليبرالية الجديدة على التقشف ولكنه شخص إصلاحي للبرجوازية الصغيرة. علاوةً على ذلك، لم يقم مرسي بقتل ما يقرب من 1,000 متظاهر كما فعل مبارك عندها ساروا في الشوارع بطريقة سلمية ضده، و لم يقم بإغلاق منفذ إعلامي واحد من التي كانت تنتقده ، إذا لو كان مرسي طاغية فإن مبارك على نحو أكيد هو ديمقراطي.

الأمر الذي يفشل أتشكار و المذهب التروتسكي في رؤيته هو أن الإخوان المسلمون هم ثورة مضادة من وجهة النظر الإشتراكية و لكنهم ليسوا كذلك من وجهة النظر الديمقراطية، فهم رجعيون من وجهة نظرنا كإشتراكيين و لكنهم تقدميون عند مقارنتهم بآلة القتل الفاشية و الإستبدادية التي يناضل الإخوان المسلمون ضدها. إن إعلان مؤسسهم بأن ” القرآن دستورنا” هو ليس شعار لرجعيين يحاولون عكس عجلة التاريخ للخلف، تحديداً إلى القرن السابع الميلادي ( عندما لم تكن هناك دساتير ) و لكنه تاكيد على دور الدستور، فصل السلطات، سيادة القانون، موافقة المحكومين، حصانة الفرد، و الإجراءات القانونية التي ترغب بها تعاليم الإسلام كلها و تتوافق معها . و أولئك الذين يرفضون وجهة النظر بأن الدوافع الديمقراطية من الممكن التعبير عنها بطريقة دينية ملتزمة  و اللغة غير العلمانية لم يتعلموا أي شيء. من إنجلز الذي مجد الثوار الفلاحين الذين سموا أصحاب أراضيهم الجائرين بالطغاة الكفار إلى خائنين لتعاليم المسيح في حرب الفلاحين في ألمانيا. لربما نظر أولئك الفلاحين الألمان في ذلك الوقت إلى الخلف، و  بصورة أيديولوجية إلى أيام المسيح في القدس و لكن أقدامهم كانت تمشي قدماً، نحو تدمير العبودية الإقطاعية، و الناس الذين يغنون و يصرخون “ الله أكبر ” في شوارع القاهرة و حلب ضد السيسي و الأسد هم متشابهين معهم بشكل كبير.

إن رفض أتشكار للإنطباع الماركسي للثورة الديمقراطية ” يُسطح ”  و يشوه تقييمه لقوات الثورة المضادة في مصر، فبالنسبة له إن الإخوان المسلمون و الجيش هم خطرين و رجعين بشكل متساو – و في النهاية، كلاهما مناهض للإشتركية ( الذي يفترض ) التي يريدها الشعب. هذه المساواة الخاطئة غذت رؤيته حول تمرد لأنه فضّلطريق مستقل ثالثة و حقيقية ترفض النظام السابق و الأصوليين الإسلاميين على حد سواء” و قد قامت حركة تمرد بتقديم نفسها بهذا الشكل. سياسة الرفض هذه لأي تحالف مع القوى الإسلامية كما لو كانت الجيشتضمن  بأن اليسار في مصر سيبقى معزول بشكل بائس عن ملايين الناس الذين أصبحوا فاعلين بشكل نشط في الصراع بين هذين المعسكرين  الكبيرين. الثورة المضادة المناهضة للديمقراطية و التي تتغلغل فيها الدولة من جانب و الداعمين للثورة، الداعمين لديمقراطية رابعة في الجانب الآخر.

3protests2

إنعدام الصلة السياسية الأبدي هو النتيجة التي لا يمكن تلافيها من العسكرة في معسكر ثالث، يتم فيه رفض التوحد مع الثورة أو مع الثورة المضادة.

تحليل أشتكار لسوريا هو عاجز بصورة مشابه ، حيث يرى كل قوة تناهض الثورة الإشتراكية كثورة مضادة في وسط الثورة الديمقراطية. و بالنسبة له ، فإن المملكة العربية السعودية  – التي تدعم الجبهة الإسلامية و الجيش الحر السوري بصورايخ صينية مضادة للدروع ، الأمر الذي أدى لمكاسب حديثاً في ميادين القتال ضد النظام – هي ثورة مضادة ، كذلك الدولة الإسلامية في سوريا و العراق ( داعش )، و الجبهة الإسلامية ، و جبهة النصرة ، الذين يمثلون سويةً معظم القوات المقاتلة ضد النظام و حلفاؤه الغربيين. و لكن لو تم تسليح الجيش الحر السوري من عناصر ثورة مضادة، و تم تمويله على يد عناصر ثورة مضادة،و  لديه ألوية إسلامية ( التي هي بتعريف أشتكار عناصر ثورة مضادة)، و يتعاونون مع عناصر مضادة للثورة ( مثل الجبهة الإسلامية ، جبهة النصرة ، و داعش في السابق)، ألا يجعلهم  ذلك عناصر مناهضة للثورة أيضاً؟ لا يمضي اشتكار إلى هذا الحد أبداً و لكن مثل هذا الإستنتاج لا يمكن تلافيه إذا قمنا بقبول تحليله بأن كل قوة رئيسية تقريباً، أجنبية و محلية ، تشارك في الثورة السورية تعلب دوراً مناهضاً للثورة. ماذا عن غير الإمبرياليين، غير الرأسماليين، غير الدول المناهضة للثورة التي من المفروض أن يتلقى منها الجيش الحر الأسلحة و الأموال، هو لا يذكر أي شيء عن ذلك. لربما ستجد عصبة التحرير الشعبي غير المناهض للثورة مثل هذه الدولة و ستحفظ نفسها من إندلاع ثورات من العناصر المناوئة للثورة التي تتقدمها.

بينما يدعي برويكت في مراجعة كتابه – متبعاً في ذلك أتشكار – بأن ” التوجيه نحو الطبقة العاملة” في دول الشرق الأوسط و شمال أفريقياهي الطريقة التي يتوجب إتباعها ، و المنطق الذي يعزز هذا الأمر يبدو كما لو أنه يدعم الإستنتاج المعاكس:

” النفط و الغاز في دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا هي صناعة تولد إيجار الأرض في المصطلحات التي يفهمها كارل ماركس في المجلد 3 من كتاب رأس المال. و هذا يعني ببساطة بأنه ليس كالتصنيع ، فإن أدوات الإنتاج بإمكانها الإستمرار دون وجود طبقة عاملة. حيث يتم توليد الثروة دون إيجاد فرص عمل. و هذا يمضي لمسافة طويلة  في شرح القطاع غير الرسمي الكبير الموجود في دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا. فعندما تكون وظائف المصنع غير موجودة واقعياً، فإن السياق الوحيد هو الهجرة ( و المنطقة معروفة بالتصدير الهائل من الأيدي العاملة)  أو أنت تصبح بائع متجول في الشوارع. و عندما تنمو الدولة بصورة غير مبالية بالقاعدة التي لا تدفع الضرائب أو عندما تقوم بتغذية الفساد أو الرشاوي داخل الجسم السياسي، لن يكون من العجيب أن يقوم شخص مثل محمد البوعزيزي، و هو بائع فواكة تونسي متجول، قد قام بإطلاق الثورات العربية من خلال حرق نفسه بعد سنين من دفع الرشاوي للشرطة أو تعرضه للضرب و المضايقة من قبلهم.”

إذا كانت الرأسمالية في دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا قد إتصفت بأرباح كبيرة دون وجود أيدي عاملة مع إنتشار الوظائف غير الرسمية ( مثل البسطات في الشوارع)، ما الذي سيؤدي إليه التوجيه الإستراتيجي لطبقة العمال المنتجة التي لا توجد تقريباً؟

إنها تلك السمة الخاصة من الراسمالية في دول الشرق الوسط و شمال أفريقيا – و هي أشكال إجتماعية  ليست “ببائدة” أو ” إقطاعية” مثل القاعدة المبنية على رجل الدين / العشيرة ( و كلاهما ليسا ببائدين و لا إقطاعيين في شكلهما ) – من التي تمثل تحديات خاصة للماركسية الكلاسيكية كإستراتيجية سياسية لأنها ولدت في أوربا زمن الثورة الصناعية، و هي مرحلة ماضية في تاريخ الرأسمالية. فالماركسية المبنية على المصنع لا تعمل بكل بساطة مع إنعدام وجود الراسمالية المبنية على المصنع، سواءاً في دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا أو في الغرب ما بعد الحقبة الصناعية. هذه السمة الخاصة لديها تضمينات جدية مختلفة  لكل دولة من دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا. في بعض الحالات، مثل سوريا، هيكلية الطبقة في الدولة ( حتى ما قبل الحرب) كانت مصنفة بالبورجوازية الصغيرة/ لامبنبروليتاري و سوق الأيدي العاملة خاصتها إتسمت بفيض كبير من البشر الذين يبحثون عن العمل في الدول المجاورة. و في حالات أخرى، مثل ليبيا، في معظم قوى العمل ( في صناعة النفط على وجه الخصوص ) حيث تم إستيراد عمال ذوي حقوق أقل بصورة تاريخية . و هذا أيضاً صحيح بالنسبة للملكة العربية السعودية. على الرغم من أن الدولة تستوعب عدد لا بأس به من المهاجرين الماهرين / المتعلمين القادمين للعمل بتأشيرة أيضاً.

إنعدام التساوي الشاسع هذا و السمات المختلفة لكل دولة داخل دول الشرق الاوسط و شمال أفريقيا يتم حجبها بالإدعاءات العريضة حول المنطقة مثل :” مع شمل الدول الغنية بالنفط و الغاز مثل المملكة العربية السعودية و الجزائر، يكون معدل الفقر لكامل المنطقة هو 39.9%.”

حاليا، تتوفر المملكة العربية السعودية على عاشر أدنى معدل فقر في العالم، و يتكون ثلتي عدد السكان الذي هو 27 مليون نسمة من مواطنين سعوديين، أما الثلث الباقي فيتكون معظمه من مواطنين عرب قادمين من دول أخرى. لا تميل الدول الغنية بالنفط إلى تصدير اليد العاملة و إنما تستوردها من أجل إنتاج النفط (و لمدة وجيزة بالنسبة لمشاريع البناء) و تقوم باستغلال المهاجرين الماهرين من خلال تأشيرات مؤقتة و ذلك لتلبية حاجياتها الإدارية و التنظيمية و المتعلقة باستشارة الأعمال و العمال ذوي الياقات البيضاء/الخبراء. بعض هذه البلدان الخليجية نوعت من اقتصاداتها بعيدا عن مجال النفط عكس ما قد يجعلنا برويكت نعتقد. فهو يعتبر برج خليفة المتواجد بإمارة دبي، و الذي هو أعلى بناية في العالم، مثالا على العجز الرأسمالي الذي تعرفه منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا في توفير فرص عمل مربحة و التوسع خارج نطاق الاستثمارات ذات طابع المضاربة و التي تعتمد على “رأسمالية المحاسيب”، و لكن معدل إشغال البرج يقارب 80٪، و تتميز الإمارة بأدنى معدلات البطالة في العالم كما يساهم الغاز و النفط في 7٪ فقط من مداخيل الإمارة؛ و وفقا للصفحة المخصصة للإمارة على ويكيبيديا، فإن قطاعات العقار و البناء (22.6٪)، و التجارة (16٪)، و التخزين (15٪)، و الخدمات المالية (11٪) هي أكثر القطاعات مساهمة في اقتصاد دبي.

في الحقيقة، إن الفقر المدقع و التفقير الذي تعيشه الطبقات الكادحة في ليبيا و مصر و اليمن و سوريا و فلسطين يساهمان في الهجرة الإقليمية التي تقوي الاقتصادات الرأسمالية للبنان و دول الخليج. إن مجموعة من دول منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا هي بالفعل من “أكبر المصدرين لليد العاملة” كما يقول برويكت و لكن المجموعة المتبقية هي من أكبر مستورديها؛ فالأمر الذي يدعو للسخرية (و المخالف لمزاعم برويكت) هو أن الدول الغنية بالنفط  تنتمي للفئة الأخيرة و عادة ما تواجه مشاكل أقل مع الفقر و البطالة. في الواقع، قد يكون اليمن البلد الوحيد الذي يطابق مواصفاته للتناقضات الرأسمالية بمنطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا.

إن هذه المفارقات الهيكلية والتاريخية التي توجد بين دول منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا ظهرت جلية في الطريقة التي امتد بها الربيع العربي. فالبلدان التي كانت ثوراتها الديمقراطية قوية بما يكفي للإطاحة بالحكومات هي التي كانت تشكوا من معدلات البطالة العالية و الثابتة (لا يتعلق الأمر عادة بالدول الغنية بالنفط). تعكس أشكال النضال الخاصة التي ميزت كل ثورة على حدا التناقض الصارخ الذي يوجد بين الأوضاع السياسية و المؤسسات الحاكمة الفريدة لبلد معين، و الطبقة و الهياكل الاقتصادية الفريدة الداعمة لها. لقد ذكر إنجلز منذ زمن بعيد أن البروليتاريا المنظمة بشكل صحيح و المشبعة بالوعي الاشتراكي بطريقة لا تشبه أي وقت مضى، يمكن أن تستفيد من الحرية أو شبه الحرية السياسية للإضراب و التصويت و تهيئة الطريق من أجل التفوق السياسي على البرجوازية، و بالتالي فإن أيام القتال الدامي في الحواجز المقامة على الشوارع و التي ميزت ثورات 1830 و 1848 و 1871 لم يعد لها وجود. و قد أكد الربيع العربي كلا هاذين التنبؤين. ففي الثورات الديمقراطية التونسية و المصرية – حيث عاشت النقابات و الأحزاب في ظروف تطبعها شبه حرية مقيدة لمدة عشر سنوات مضت- لعبت احتجاجات البروليتاريا دورا أساسيا في الإطاحة بالطغاة المبغضين، بينما طبع الكفاح المسلح و الحواجز الموضوعة على الشوارع و حرب المدن الثورات الديمقراطية الليبية والسورية. عندما أعلن القذافي الحرب على الشعب في فبراير 2011 و رد الناس على ذلك عن طريق شن حرب ثورية، فقد نزل إنتاج النفط إلى الحضيض مع إغلاق الشركات الأجنبية لأبوابها و رجوع العمال المهاجرين الأقل حقوقا و الموظفين بقطاع صناعة النفط إلى ديارهم هربا من عاصفة إراقة الدماء. أما في سوريا، و بفضل الطابع الغير متناسب لبرجوازيتها الصغيرة و الإبقاء على تقاليد النضال التي يمتد تاريخها عبر حوالي قرن من الزمن إلى أيام الانتداب الفرنسي، فإن احتجاجات الكرامة التي طبعت ثورة 2011 كانت تمثل جميع الطبقات و ليس فقط شؤون الطبقة العاملة، مع إغلاق رجال الأعمال الصغار و الكبار لمتاجرهم و أكشاكهم احتجاجا على وحشية النظام.

يمكن استخلاص درسين هنا:

كلما كانت الظروف الاستبدادية الغاشمة سائدة أكثر، كلما كانت الثورات الديمقراطية في حاجة أكثر إلى استخدام بعض أو كل الأشكال “المندثرة” للنضال التي أشار إليها إنجلز- الحواجز على الطرقات و قتال الشوارع و حرب العصابات/حرب الأنصار و التخريب و التآمر السري– و ذلك لتحقيق الانتصار. لهذا السبب، فإن مفاهيم و ممارسات الحرب طويلة الأمد و حرب العصابات و الحرب الشعبية التي وضع أسسها ماو تسي تونغ تستحق أن تدرس بشكل معمق، كما هو الحال بالنسبة لوسائل النضال التي وضعتها قوى المقاومة المناهضة للفاشية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

لا تنبثق الثورات الديمقراطية الحديثة (أو بمعنى آخر ما بعد الفيودالية) من مبادرة العمال فحسب، بل أيضا من المزارعين و صغار الملاك و العاطلين عن العمل بصورة دائمة و الموظفين بشكل جزئي و الباعة المتجولين و الفقراء في المدينة و الريف و عناصر المعارضة البرجوازية. تعتبر هذه الفئات الأساس الجوهري و الاقتصادي لهذه الثورات.

لم ينتفض عمال قطاع النفط في أي من الثورات الديمقراطية للربيع العربي. لماذا؟ تتكون القوى العاملة في الدول الغنية بالنفط و بشكل غير متناسب من مهاجرين أقل حقوقا، بعيدين عن أوطانهم بإفريقيا و جنوب آسيا و منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، و الذين يعتمدون في معيشتهم على حسن نية المشغل. تجتمع كل هذه العوامل لتجعلهم من بين أكثر الفئات المضطهدة بوحشية و المنتمية للطبقات المستغلة بمنطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، وبالتالي فهي الأقل ترشيحا للتمرد. فلا يجب أن نتفاجأ إذا لم يؤثر الربيع العربي بشكل كبير على إيرادات النفط نظرا للظروف الرديئة التي يكدحون فيها.

إن العامل الرئيسي الذي يحدد ما إذا كانت الطبقات الكادحة لبلد ما بمنطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا قادرة على تنظيم و إثبات نفسها على الجبهات الاقتصادية و السياسية، هو درجة الحرية السياسية. و يوضح فحص موجز لعدد قليل من البلدان ما يلي:

تحتل تونس المركز الأول بفضل اتحادها الفدرالي النضالي القوي و تحالفها السياسي اليساري القوي الذي يظم أكثر من 10,000 منخرط، و قد كانت الإنجازات ممكنة عن طريق حل الشرطة السرية من طرف برلمان ما بعد الثورة سنة 2011 و المصادقة على الدستور العلماني و الديمقراطي كليا بدعم من نصف عدد الإسلاميين بالبرلمان على الرغم من أن المتطرفين الإسلاميين قد قاموا باغتيال اثنين من الزعماء اليساريين. و قد عقد أيضا المنتدى الاجتماعي العالمي لسنة 2013 في تونس و جذب ما بين 30,000 و 50,000 مشارك، ينتسب ثلثهم للعالم العربي. و مع أن الثورة الديمقراطية انتهت بالانتصار، فإن الثورة الاشتراكية ليست على وشك الإطاحة بالبرجوازية في أي وقت قريب على الرغم من أنها في مواجهة الحركة العمالية الأكثر نضالا و تنظيما و تطورا سياسيا في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا. و تبقى مكافحة البطالة المشكلة الأكثر إلحاحا لأنها لا تزال مستقرة في ما يقرب 20٪ بعد ما يناهز أربع سنوات من حدوث الثورة كما لا يزال الباعة المتجولون يحرقون أنفسهم للاحتجاج على ذلك.

يمكن وصف ليبيا على أنها تحتل المركز الثاني بفضل الإضرابات المنتظمة (العامة و الخاصة بالشركات)، و قد كان هذا ممكنا من خلال التدمير الكلي و الشامل لقوات القذافي المسلحة و الشرطة السرية على يد الميليشيات المكونة من الشعب. إنها واحدة من بلدان منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا حيث يخوض عمال قطاع النفط إضرابات و ينظمون نقابات للدفاع عن مصالحهم و قد كان هذا ممكنا فقط بفضل انتصار الثورة الديمقراطية. اليوم، تتشبت البرجوازية الحاكمة بالسلطة بكل ما أوتيت من قوة، و لكن لحد الآن لا توجد أي حركة أو حزب سياسي يساري أو يرتكز على الطبقة العمالية للاستفادة من هذا الضعف.

تحتل مصر ما بعد الانقلاب المركز الثالث، فحركتها النقابية تنقسم بين اتحاد كانت تسيطر عليه الدولة القديمة و الاتحاد المستقل الجديد (الذي فشل إضرابه العام ضد مرسي) في وقت يصدر فيه النظام الحديث المضاد للثورة أحكاما بالإعدام على المئات و الذي أجهز قمعه الممارس على جماعة الإخوان المسلمين، على العديد من النقابات. و كما هو الحال في ليبيا، لا توجد أي حركة أو حزب سياسي يساري أو يرتكز على الطبقة العمالية، و لا تزال العناصر اليسارية عالقة داخل العزلة التي فرضتها على نفسها من خلال عدم الانخراط في الحركة الشعبية المناهضة للانقلاب.

تحتل سوريا المركز الأخير، و هذا أمر حتمي نظرا للحرب الشاملة التي يخوضها النظام الفاشي على الشعب. لقد قضت الفاشية على أول نقابة مستقلة في البلاد بمنبج عندما احتلت داعش المدينة في يناير 2014 بعد انتفاضة مسلحة ضد الاستبداد بقيادة الجيش السوري الحر و الجبهة الإسلامية  و جبهة النصرة و جيش المجاهدين و الجبهة الثورية السورية.

في غياب أعداد كبيرة من الناس يقودها إلى الشارع اشتياقها للتغيير و لفرص العمل و للقوت اليومي، فإن النساء المحجبات بالكامل كانت في طليعة الثورة الديمقراطية بالمملكة العربية السعودية، بتنظيمهن لاحتجاجات صغيرة الحجم ضد الاحتجاز التعسفي لأحبائهن أو عبر نشر صور سيلفي على تويتر في انسجام مع أنفسهن و هن يقدن السيارات بدون وجود زوج أو أب، أو أخ معهن (إن هذه الاحتجاجات صغيرة بالمقارنة مع ميدان التحرير أو حماة؛ و رغم ذلك فهي ربما من أكبر الاحتجاجات التي عرفتها المملكة العربية السعودية). في حين أن هذه الأفعال هي أقل “إمتاعا” للغربيين الذين تثيرهم أحداث الشغب المصورة/المهووسين بالعروض و لا تتوفر على معايير ثورة حقيقية قادرة على الإطاحة بالطبقة الحاكمة أو تحطيم الدولة، فإن الوقوف في وجه واحدة من أكثر الدول استبدادا و أكثر الأنظمة الاجتماعية ذكورية في العالم يعتبر رغم ذلك أمرا ثوريا. لقد بدأت الحركات النسائية الغربية الأولى مسيرتها الطويلة نحو التحرر بخطوات مماثلة عن طريق التمرد الفردي و المطالبة بحق الاقتراع كما تفعل أخواتها في السعودية. و قد بدأت موجات المد الديمقراطي تؤثر على هرم رجال الدين في صميم سلطة النخبة السعودية؛ و قد أصبح رجل الدين السلفي الذي انقلب للمعارضة و الذي توافق عليه الدولة سلمان العودة ديمقراطيا صلب المراس نتيجة للربيع العربي. و على الرغم من أن الحكومة تمنعه من الظهور بوسائل الإعلام و السفر إلى الخارج، فهو يتابع من طرف 4.5 مليون متابع على تويتر و تحصد محاضراته المصورة بالفيديو ملايين المشاهدات على يوتيوب.

من الواضح أن الحرية هي ما يريده الشعب و الحرية هو المكون الذي لا يمكن الاستغناء عنه لتنمية منظمات الطبقة العاملة و أشكال النضال، و الوعي الاشتراكي. “كلما كان نظام الحكم ديمقراطيا أكثر، كلما زادت رؤية العمال اتضاحا على أن الشر الراسخ هو الرأسمالية، وليس غياب الحقوق.” (لينين) أينما كانت الحرية غائبة، فإن مهمة الشيوعيين الكفاح من اجل تحقيقها. فعندما تقاوم الأنظمة الاستبدادية الفاشية و المرتكزة على الدين هذه المعركة بكل قوة، فيجب أن تطيح بها ثورات حقيقية من نوع ديمقراطي لأن الديمقراطية تعتبر الشرط الأساسي السياسي للاشتراكية مثلما تعتبر الرأسمالية الشرط الأساسي الاقتصادي.

إن فكرة الماركسية الكلاسيكية للثورة الديمقراطية تحافظ على شرعيتها الجوهرية على الرغم من أن دول منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا الحديثة والرأسمالية بشكل كبير لم تعد تشتمل على أي علاقات اجتماعية إقطاعية أو ما قبل رأسمالية طالما أن الحرية السياسية و الأنظمة الديمقراطية تعتبر الاستثناء و ليست القاعدة. و على الرغم من أنها كتبت قبل قرن من الزمان، فهذه الكلمات تبدوا صحيحة حتى اليوم:

” ليست الثورة الاشتراكية فعلا واحدا، و ليست معركة واحدة على جبهة واحدة؛ و لكنها مرحلة كاملة من الصراعات الطبقية الحادة، و سلسلة طويلة من المعارك على جميع الجبهات، هذا يعني معارك تتمحور حول جميع المشاكل الاقتصادية و السياسية، والتي لا يمكن أن تنتهي إلا من خلال نزع البرجوازية. سيكون خطأ جسيما الافتراض أن النضال من أجل الديمقراطية يمكن أن يبعد البروليتاريا عن الثورة الاشتراكية أو يحجبها أو يلقي الضلال عليها، إلخ. فعلى عكس ذلك، و كما لا يمكن للاشتراكية أن تنتصر إلا إذا طبقت ديمقراطية كاملة، فإن البروليتاريا لن تكون قادرة على إعداد الطريق الموصلة للانتصار على البرجوازية ما لم تدخل في صراع متعدد الجوانب و متناسق و ثوري من أجل الديمقراطية “.

Advertisements