نشر في الأصل من قبل الثورة الديمقراطية، أسلوب سوري.

كيف يمكن لأنصار الثورة الديمقراطية أن يفهموا التوجهات الإسلامية التي برزت كجزء لا يتجزأ من اضطرابات الربيع العربي؟

هل هم أصدقاء الثورة أم أعداء الشعب؟

ما هي التوجهات الطبقية التي يمثلونها؟

إن الأجوبة على هذه الأسئلة و الإطارات الذي استمدت منها 1) تظهر أهمية الكفاح من أجل الوضوح النظري و2) تنور ردود فعلنا اتجاه المنعطفات الغير المتوقعة والتناقضات الصعبة المتعلقة بالنضال الديمقراطي. فالخلط بين الصديق و العدو سيؤدي إلى ممرات سياسية مظلمة وهزائم مؤلمة كما هو الحال في مصر حيث يتم تقسيم القوى المناهضة للانقلاب بطريقة لا رجعة فيها إلى تحالف مناهض للانقلاب يسيطر عليه الإخوان المسلمون و حركة رابعة من جهة، و جبهة طريق الثورة اليسارية الليبرالية من جهة أخرى. فلا يمكن لبيت منقسم أن يقف ضد قوة تتكون من الجيش والشرطة والقضاء، وجناح الفلول البرجوازي، و هذا يعتبر صحيحا اليوم كما كان في 25 يناير 2011.

تصف “سوريا الحرية للأبد”، مدونة اليسار الثوري الحالي، علاقة القوى الإسلامية في سوريا بالثورة على النحو التالي:

لا يجب أن تقودنا في نفس الوقت الاختلافات بين الجبهة الإسلامية والجماعات الجهادية، كما أوضحنا ذلك سابقا، إلى اعتبار الجبهة الإسلامية على أنها جماعات ديمقراطية تناضل من أجل تحقيق أهداف الثورة: الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، و الدولة المدنية التي تعامل الجميع بطريقة متساوية، بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو عرقهم، إلخفي الواقع، تسعى الجبهة الإسلامية لتحقيق دولة إسلامية ولم تتردد في مهاجمة بعض الجماعات والشخصيات الديمقراطية، كما رأينا ذلك في ما مضى من خلال تهديدات زهران علوش الموجهة ضد المجلس المحلي لمدينة دوما [xxiv] ، و أيضا أجزاء من الجيش السوري الحر كما رأينا. … و على الرغم من أن بعض هذه الجماعات قد أدانت أعمال داعش ضد الكنائس، دون أن تتحداها سياسيا وعسكريا، فإنها تتقاسم جميعا نفس الخطاب الطائفي ضد الأقليات الإسلامية، وخاصة ضد الشيعة والعلويين. و هذا ببساطة غير مقبول “.

و بعد أسطر قليلة كتبوا:

إن هذا الوضوح في الموقف بالنسبة للجبهة الإسلامية لا يعني أن نتجاهل هذه المجموعات، فيمكن أن تتكون وحدة في التصرف على مستوى المجال العسكري خصوصا بين الجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية ضد النظام والجهاديين، ولكن لا ينبغي أن نتوهم أنها ستحقق أي أهداف للثورة.”

إذن، وفقا ل”سوريا الحرية للأبد”، فإن فروع تنظيم القاعدة و الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) و جبهة النصرة بالإضافة لحركة أحرار الشام الإسلامية والجبهة الإسلامية التي تشارك في المعركة، ليست لديها رغبة في تحقيق أي هدف من أهداف الثورة الديمقراطية. لماذا؟ لأنها تتطلع في الواقع لدولة إسلامية، كما لو أن الإسلام والديمقراطية أو الدول الإسلامية و الدول الديمقراطية تتعارض مع بعضها البعض مثل الرأسمالية والشيوعية. فهناك أنواع مختلفة من الدول الإسلامية والبعض منها مفضلة (أو أقل سوءا) عن غيرها. إن الديمقراطية البرجوازية التي يحكمها الإسلاميون مثل أردوغان بتركيا أو مرسي بمصر تعتبر بعيدة كل البعد عن حركة طالبان الأفغانية، و الوهابية السعودية و ولاية الفقيه بإيران، والإمبراطورية العثمانية، أو الخلافة الأموية، و كل واحدة منها مختلفة عن الأخرى.

يدعو إعلان تأسيس الجبهة الإسلامية مرارا وتكرارا لإقامة دولة إسلامية أو دولة تقوم على قوانين وقيم الإسلام ولكن الشر يكمن في التفاصيل- فالوثيقة لا توضح نهائيا ما تعنيه هذه التطلعات على أرض الواقع. فهل يتفقون مع داعش فيما يخص حظر الموسيقى والرقص، و منع الفتيات من الذهاب إلى المدرسة، وإجبار النساء على ارتداء البرقع الذي يغطي الجسد بأكمله؟ و هل سيقومون بتعذيب المعارضين السياسيين و النشطاء الصحفيين مثل ما تفعل داعش؟ هل سيذبحون المدنيين العلويين و يدمرون أو يستولون على الكنائس لتحويلها إلى مراكز إسلامية كما فعلت داعش؟ هل سيجعلون العلويين والشيعة و الإسماعيليين والمسيحيين مواطنين من الدرجة الثانية؟

تشير الأدلة وممارسات الجبهة الإسلامية والجماعات المكونة لها (واستبعادها لداعش كذلك) حتى الآن على أن الجواب على كل هذه الأسئلة هو “لا”.

إن ادعاء “سوريا الحرية للأبد” أن زعيم جيش الإسلام زهران علوش قد هدد نشطاء ديمقراطيين في دوما وأن الجبهة الإسلامية لم تتردد في مهاجمة بعض الجماعات والشخصيات الديمقراطية لا يصمد حتى أمام بحث سريع. لقد انتقد نشطاء مدنيون في دوما علوش للهجته الممزوجة بالتهديد وعدم الثقة في جولة خبيثة من الاتهامات المتبادلة التي حرضت علوش وأتباعه على تحالف الإسلاميين المحليين والنشطاء العلمانيين. فمهاجمة شخص لفظيا (أو بشكل حرفي) يبعد كل البعد عن مهاجمته جسديا والبيانات شديدة اللهجة لا تعتبر معيارا جادا لتقييم ما إذا كانت جماعة أو ائتلاف يعتبر صديقا أم عدوا لسوريا ديمقراطية. و عندما اختطفت الناشطة العلمانية صريحة اللهجة بمنطقة دوما رزان زيتون، أدان جيش الإسلام التابع لعلوش هذا العمل، قائلا أن هذه الممارسات لا تمثلنا و لا تمثل إيماننا بينما أشاد بعمل زيتون الشجاع في الغوطة وأشار إلى أن جيش الإسلام ساعدها في الدخول إلى الغوطة بأمان. و بينما تعلن “سوريا الحرية للأبد” أن ” وحدة في التصرف على مستوى المجال العسكري خصوصا بين الجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية ضد النظام والجهاديين هو شيء جائز، فالجيش السوري الحر يتعاون بشكل وثيق مع ‘جهاديي’ جبهة النصرة ضد النظام ولو كان يستعد لصراع مع حليفه الحالي في المستقبل.

تتعارض رؤية الجبهة الإسلامية المفتقدة للتفاصيل من أجل تكوين دولة إسلامية مع صراحتها بشأن الأهداف الديمقراطية المباشرة لها، الأهداف التي تشتركها مع جميع مكونات الثورة:

إسقاط النظام القائم بشكل شمولي، مع كل بقاياه الغامضة، و إبادتهم من الوجود السوري نهائيا، والدفاع عن المستضعفين والدفاع عن شرفهم وثروتهم. فإسقاط النظام يعني فصل وإنهاء كل سلطاته القضائية والتشريعية و التنفيذية بالإضافة لجيشه و مؤسساته الأمنية، و محاكمة المتورطين في سفك الدماء فضلا عن مؤيديهم في ظل محاكمات قانونية وعادلة“.

بينما يرفض العلمانية (أو بالأحرى صورة كاريكاتورية لها)، يشير إعلان تأسيس الجبهة الإسلامية إلى الانفتاح على مؤسسة البرلمان كوسيلة لتحقيق المبدأ الإسلامي المتعلق بالشورى، أو التشاور، والذي يعرف في الغرب باسم موافقة المحكوم. و لا يوجد أي خطاب طائفيمعادي للشيعة أو للعلويين في الوثيقة و عكس ما تؤكده “سوريا الحرية للأبد”، فلا يستعمل كل عناصر أو قادة الجبهة الخطاب الذي يروج له علوش و”الذي هو ببساطة غير مقبول”.

إن الشيء المهم الذي يجب فهمه هو أن الجبهة الإسلامية لا تشكل طرفا يتوفر على برنامج محدد، وإنما تعتبر تحالفا بين لواءات مسلحة مختلفة و لكن لها نفس طريقة التفكير. فأي مجهود من قبلهم لوضع الخطوط العريضة لرؤية متماسكة و مفصلة تقود إلى دولة إسلامية مستقبلية في سوريا، لن يؤدي فقط إلى خلاف خطير بين الجماعات المكونة لها ولكن سيخلق احتكاكات داخل كل مجموعة بما أن جنود الصف غالبا ما يأتون من تشكيلة متنوعة من حيث وجهات النظر السياسية: القومية والعلمانية والاشتراكية والليبرالية، و المحافظة. إنهم يقاتلون تحت راية الإسلام على الرغم من ميولاتهم الأيديولوجية الشخصية لأن هناك حيث يوجد المال، والبنادق والذخيرة، و المنظمات الفعالة. فالبراغماتية تتفوق على الأيديولوجية عندما يكون انتصار الثورة مسألة حياة أو موت.

إن الإسلاموية بشكل عام والجبهة الإسلامية بوجه الخصوص هي أكثر اختلاطا، و هي ظاهرة أكثر تناقضا من الصورة التي رسمتها “سوريا الحرية للأبد” على أنها متراصة إسلامية موحدة من حيث عدائها لأهداف الثورة.

 

التقدم بدل الكمال

إن واحدا من أكبر الأخطاء التي يرتكبها النشطاء الغربيون والنشطاء الشرقيون الذين تلقوا تعليمهم في الغرب فيما يخص الربيع العربي، هو إساءة تقدير العلاقة الموجودة بين الاتجاهات الإسلامية والكفاح من أجل الديمقراطية. فالمبادئ التقدمية التي يعزونها فيما يخص حقوق المرأة، و الأقليات الدينية، و المثليين والمثليات جنسيا، والعلمانية تعتبر بمثابة اختبار معياري للدمقرطة  تفشل فيه القوى الإسلامية  بطبيعة الحال، و لو أن الثورات الديمقراطية في الغرب كانت ستفشل أيضا في مثل هذا الاختبار. فالحكومات التي خلقتها الثورات البرجوازية الديمقراطية الأمريكية والفرنسية و البريطانية قد شاركت في الإبادة الجماعية، والاستعمار، وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي لمئات السنين كما حافظت على قدسية كل أنماط التقاليد اليهودية المسيحية في القانون، و مع ذلك تعتبر الثورات في البلدان ذات الأغلبية المسلمة و/أو تلك التي يقودها الإسلاميون على أنها لا تستحق الدعم لكونها ليست تقدمية بالشكل الكافي، و ذلك لعدم تقنين الإجهاض أو عدم فصل الدين عن الدولة كأنهما أهم شيئين بعد التغلب على عقود من سوء الحكم الفاشي.

يجب رفض مثل هذه المقاربة لكونها تعتبر غباء رجعيا.

يجب أن يبحث التقدميون عن التقدم بدل الكمال في نضالات الشعوب و ذلك وسط القوات المشاركة في تلك الصراعات. فالتقدم والانفتاح بحكم التعريف هما نسبيان و مرتبطان بالسياق. و مقارنة بالانقلابات و مكافحة الانقلابات التي شلت الحياة السياسية العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار على مدى نصف قرن، فالحكومات المنتخبة بحرية، والانتقالات السلمية للسلطة، و السيطرة المدنية على القوات المسلحة، و الحريات الموسعة بشكل كبير (وإن لم يكن ذلك بطريقة مثالية) تعتبر خطوات هائلة اتخذت نحو الأمام في الوقت الذي تعتبر فيه الإطاحة بمرسي في مصر وعودة القمع الفاشي المصاحبة له تراجعا كبيرا على الرغم من الخطاب الطائفي لجماعة الإخوان المسلمين و سياستهم الرجعية غير الليبرالية و المعادية للمرأة.

إن العمليات الديمقراطية الفعالة بدل تحقيق المبادئ العامة و الخالدة للديمقراطية، مثل العلمانية، تعتبر الأشياء الغير قابلة للتفاوض التي يقاتل ويموت من أجلها الملايين في الربيع العربي. فالعدو الرئيسي الذي تناضل الجماهير من أجل هزيمته هو الاستبداد، وليس الدولة الدينية.

و من ناحية أخرى، ففقط عبر الفوز بالمعركة من أجل الديمقراطية سيكون كسب معركة الديمقراطية ممكنا؛ و فقط عبر ترسيخ العملية الديمقراطية سيكون من الممكن الفوز برأي الأغلبية لصالح مبادئ مثل العلمانية وحقوق الإجهاض، أو زواج المثليين؛ و فقط عبر الاتحاد مع الإسلاميين لهزيمة الأنظمة المستبدة القديمة سيكون ممكنا عقد الآمال من أجل تأسيس ساحة معركة الديمقراطية التي سنناضل عليها ضد نفس الإسلاميين على السياسات الاقتصادية والاجتماعية المحافظة والرجعية التي يحبذونها. و كما علمنا ماركس، حين تتعلق المسألة بصراع ضد الحكومة الحالية، نتحالف حتى مع أعدائنا“.

idlib

لا توجد ثورة ديمقراطية في العالم العربي دون – أقل بكثير ضد – الإسلاميين طالما أنهم يتمتعون بدعم الأغلبية أو الأقلية الكبيرة وبما أن أغلبية الأحزاب الإسلامية تفضل الأنظمة السياسية الديمقراطية بدل الاستبدادية. كما أن ليس كل الدول الإسلامية متشابهة، فليست جميع الاتجاهات الإسلامية تنشأ على قدم المساواة، فهي تتواجد إلى جانب سلسلة من المستبدين الفاشيين كليا مثل داعش من جهة والإسلاميين الليبراليين مثل عبد الفتوح بمصر و معاذ الخطيب بسوريا من جهة أخرى. فيجب تقييم كل حركة أو منظمة أو حزب إسلامي بطريقة حذرة و كل على حدة بدل دمجها و جمعها كلها في كتلة رجعية واحدة. و هناك اختلافات كبيرة بين الاتجاهات الإسلامية والنزاع الناتج، كما أن الصراع الذي يوجد بينها يقف أمام نجاح الثورات الديمقراطية والحكومات. فعلى سبيل المثال، عندما صوتت السلطة التشريعية الوطنية بليبيا و المنتخبة بحرية ونزاهة (التي لا تحكمها جماعة الإخوان المسلمين) لإعلان أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع في ليبيا و أنها  فوق الدستور، فهذه لم تكن هزيمة الثورة الديمقراطية ولا نهاية العملية الديمقراطية، في الواقع، لقد تمت إدانة هذه الخطوة من طرف الميليشيات السلفية / حركة أنصار الشريعة. و في سوريا، لم تحرر اللواءات العلمانية  النشطاء المتهمين “بالعلمانية” من سجون داعش في الرقة وإنما فعلت ذلك جبهة النصرة و حركة أحرار الشام الإسلامية.

إن هذه الثورات الديمقراطية والحكومات البرجوازية الديمقراطية التي تتكون بعدها و التي تظهر على أنها مختومة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا بالإسلام في البلدان ذات الأغلبية المسلمة ينبغي أن لا ترهب أحدا. فلم يكن من الممكن أن يصير ذلك بأي طريقة أخرى.

الأنواع الثلاثة من الإسلاميين

في معظم الدول، الإخوان المسلمون هي المنظمة الإسلامية الرئيسية. و سمتها هي البرجوازية الديمقراطية ( ليست المطلقة الإستبدادية) و لكونها تفضل الأنظمة السياسية البرجوازية- الديمقراطية كوسائل لتطبيق برنامجها:” الإسلام هو الحل.” و على الرغم من أن نداء الإخوان المسلمون الشامل هو نداء محافظ ، ديني، و تقليدي في طبيعته ، فهي تتبع سياسة الطبقة البرجوازية من خلال إعتناق الأسواق المفتوحة و الأنظمة الإقتصادية الليبرالية الجديدة على حساب الجماهير التي تتبعها من بين العمال، المزارعين، الفلاحين ، صغار الملاك ، الفقراء، و سكان الأحياء الفقيرة.

و مثل الإخوان المسلمون، فإن الأحزاب السلفية هي ديمقراطية بصورة عامة لكونها تحترم العمل الديمقراطية  و تتجنب ولاية الفقيه و هي تقع في أقصى يمين الإخوان المسلمون فيما يتعلق في الأسئلة المجتمعية. أما سياسة الطبقة التي  تسعى إليها فهي البرجوازية الصغيرة – حيث تعتبر معدلات الفائدة الربوية لصندوق النقد الدولي و البنوك الكبيرة مخالفة لتعاليم الإسلام و هم يفضلون الرأسمالية المنضبطة لحماية ” مهضومي الحقوق” ( نستخدم المصطلح الوارد في إعلان تأسيس الجبهة الإسلامية). السلفية ككل ، و كحركة ، هي منقسمة بشكل عميق حول العمليات الديمقراطية حديثة الولادة و التي تتشكل في العالم العربي لأنها بشكل جوهري حركة دينية و روحية علقت في الإضطراب الهائل الذي صنعه البشر.

السلفيون في مصر وقفوا بعيداً عن الحركة غير الدينية في ثورة 25 يناير و لكنهم كانوا من الأوائل الذين قاموا بتشكيل قوات حراسة في الشارع لحماية النساء من الإغتصاب و الإعتداءات الجنسية على يد الحشود الكبيرة من الذكور. و بعد ذلك، قاموا بإنشاء أحزاب للمشاركة في نظام الدولة ذي الديمقراطية المحطمة الآن. أما في سوريا، فالسلفيون مثل حسان عبود و زهران علوش صعدوا إلى الشهرة بعد أن قام النظام بإطلاق سراحهم من السجن في سنة 2011، و يعزي الفضل في ذلك إلى طبيعة إنعدام وجود الإخوان المسلمون في المستويات الأدنى في الشعب و لتركيزهم على تنظيم و قيادة الصراع المسلح، الذي أصبح الشكل الأكثر بروزاً في الصراع منذ 2012 و صعوداً. و بشكل نهائي، من الممكن أن ترفض الأحزاب السلفية الديمقراطية مقابل الثيوقراطية  ، و ترفض العمليات الديمقراطية  إما للإرهاب أو للسكونية ( الصوفية المتنسكة ) ، في الوقت الذي تستنتج فيه كم هو العالم و لعبة السياسات غير طاهرة و بذيئة ، و لكن كل ذلك لا يمكن تجنبه. فالسلفية السياسية، هي نزعة متفردة داخل الحركة الإسلامية ، حيث سيتم التنازع عليها و ستتقلب بعد مضي بعض الوقت مستقبلاً.

سوريا حرية للأبد تشير إلى آخر نزعة رئيسية داخل المعسكر الإسلامي، القاعدة، كحركة ” جهادية” و التي، كما يمكن أن نفهم ، هي أيضا مضللة عندما ترى الاغلبية العظمى من المقاتلين السنة المسلمين في سوريا أنفسهم بأنهم يقومون بالجهاد، و الجهاد عبارة عن صراع أو حرب مقدسة، لحماية الأبرياء من الأنظمة المجرمة بغض النظر فيما لو كان هدفهم هي الخلافة العالمية، دولة إسلامية، أو دولة مدنية/ علمانية. الجهاد ليس هو ما يفصل ما بين القاعدة عن غيرهم من الإسلاميين في سوريا، إنه الأمر الذي يشتركون فيه. و مصطلح” جهادي” يمحو الفرق الحرج الذي يجب رسمه و فهمه بشكل ملائم.

إن  الذي يباين ما بين داعش عن إخوانهم في القاعدة و جبهة النصرة هو الأمر الذي يطلب إنجازه من إعلان الجهاد: تاسيس خلافة عالمية  دون حدود للدول القومية التي أوجدها الإنسان و التي تقّسم الأمة، جماهير المسلمين في العالم، و التي فيها يتعرض الذين ينحرفون عن تفسير داعش للإسلام – بما يشمل زملائهم من الإسلاميين – إلى قتلهم، تعذيبهم، و / أو التمثيل بجثثهم. إن نزعة التكفير لدى داعش يعني أنهم إسلاميين بالشكل، فاشيين في الجوهر. فدورها في الرقة يعرض العلامات الكلاسيكية للبونابرتية الفاشية التي تكون فيها البرجوازية المسيطرة إجتماعيا مستسلمة للهيمنة السياسية لقطاع الطرق الرجعيين. و بشكل مغاير، لا ترغب جبهة النصرة في الحكم مباشرة و بشكل سياسي و لكنها تقوم بذلك  بشكل غير مباشر و بشكل قانوني من خلال محاكم للشريعة أسست لهذا الغرض سواءاً من جانب واحد كما في أبو كمال أو من عدة جهات مع ألوية إسلامية أخرى كما في حلب. و بالنظر إلى وجود جبهة النصرة كقوة ناعمة في ما يتعلق في الحكم، فإنه من غير المدهش أن رؤيتها لنظام ما بعد الأسد تحتوي على مجالس للفقهاء المسلمين الذين يشكلون حكومة إنتقالية لتقرير المستقبل ( بغض النظر فيما لو أتى مثل أولئك الفقهاء من رابطة علماء سوريا التي تنتسب إلى التحالف الوطني للثورة السورية و لقوى المعارضة، رابطة علماء الشام، أو من جسم آخر و هو أمر غير واضح).

بين هاتان الجهتان اللتان تنتسبان للقاعدة هناك إنعدام تكافؤ مبدئي على الرغم مما يبدو كأنه إنجذابهم النظري، الأيديلوجي، و الديني. هذا التنافر يظهر بشكل أكثر وضوحاً بين داعش و القوات الإسلامية المستقلة عن القاعدة. و حتى فترة قريبة، فإنهم كانوا يتعاملون مع داعش كأخ متمرد يجب عليهم تحمله و التعامل معه على الرغم من تعطشه للدماء بدلاً من التعامل معه كعدو يجب سحقه و هزيمته، و لكن بدأ هذا الأمر بالتغيّر مؤخراً.

ثورة بجبهتين؟

صعود داعش النيزكي خلال 2013 أجبر الليبراليين مثل سليم إدريس و العلمانيين مثل سوريا حرية للأبد في تصوير الثورة كحرب على جبهتين ضد العدو الخارجي و الداخلي، حيث يدور قتال متزامن ضد النظام و ضد داعش في نفس الوقت. و من حيث المبدأ هذا صحيح و لكن من ناحية إستراتيجية و تكتيكية فهذا صعب التنفيذ لبضعة أسباب:

كحركة إرهابية متعددة القوميات، تمتد قيادة داعش الموحدة وذات هيكل السيطرة لمستوى أبعد من أفضل خصومهم المنظمين، من  الذين تكون دائرة سيطرتهم محدودة في مكان وجودهم أو منطقتهم التي جاؤوا منها. و لذلك فإن حملة عسكرية حازمة ضد داعش لن يكون بالإمكان القيام بها من خلال الإعتماد بشكل حصري على القاعدة المحلية أو المناطقية و هذا يعني بأنها ستكون حرب مدمرة شاملة، و التي من الممكن أن تقسّم و تضعف الخطوط الأمامية و بذلك تقّوي  شوكة النظام. و إنتصارات النظام العسكرية في القصير و صافريا جعلت من القتال على جبهتين أمراً غير محبذ خلال معظم سنة 2013.

 لا يوجد لواء أو تشكيل يتوفر لديه الأموال، الأسلحة، و غيرها من المصادر ليستطيع القتال في مثل تلك الحرب على جبهتين. و قد أبلغ بأن داعش يدخلها 8 مليون دولار شهرياً كنتيجة لسيطرتها على منطقة الرقة.

  كجسم طفيلي، قامت داعش بالتغلغل خلال  طريقها في جميع جوانب الثورة، من الخطوط الأمامية للحملات العسكرية إلى المؤخرة التي قامت بإجراء برامج إجتماعية فيها ( الدعوة) و قد أقامت العدالة من أجل شراء الدعم الشعبي. و لأن العديد من مقاتليها هم من الأجانب، كان بإمكانها إعدام الناس تنفيذا لأوامر محاكم الشريعة المؤقتة دون أن تخشي توليد حرب قبيلة مثل الألوية التي تشكلت محلياً. على سبيل المثال، قامت داعش بإعدام ثلاثة رجال وجدوا مذنبين بإغتصاب فتاة بعمر 15 عاماً و قاموا بتنفيذ حكم الإعدام للمحكمة المحلية في عصابة مجرمين تنكروا كوحدة من الجيش الحر وسط الهتاف الصاخب للسكان الذين تم إرعابهم على يد تلك العصابة.

 و كما أن الصراع المسلح ضد النظام ليس بإمكانه الإستمرار في الوجود كنتيجة لضرورة مجردة أو لرغبة وهمية لشخص ما ، لذلك توجب على الصراع المسلح ضد داعش في أن ينبثق بشكل  عضوي كتطور من الصراع غير المسلح. خلال 2013، كانت الحرب ضد النظام مباشرة، عسكرية، هجومية ، بينما كانت الحرب ضد داعش غير مباشرة، سياسية و دفاعية. و كانت الجبهة الإسلامية هي نتاج لهذا التوجه، و التي لم تتشكل فقط كتحالف هجومي ضد الأسد و لكنها كانت عبارة عن تحالف دفاعي أيضا ضد داعش. و هذا هو السبب الذي دفع علوش لدعوة جبهة النصرة للإنضمام إلى الجبهة و لم يقم  بدعوة داعش.

نمت داعش بثقة زائدة بالنفس عندما شارف عام 2013 على الإنتهاء، متجاهلةً في ذلك العزلة السياسية المتعمقة التي كانت تواجهها من  رفاقها الإسلاميين. و قد بالغت بأفعالها بشكل مستمر، حيث قتلت عدداً من قادة أحرار الشام الإسلامية، سجنت قادة الجيش الحر و جبهة النصرة، و في نهاية 2013، هاجمت  كفر عنبال السلطة الأخلاقية للثورة.

و بنهبها مراكز النشطاء في كفر عنبال ، و قيامها بإستجوابهم حول الشعارات التي إشتهرت عالمياً وحول المقاطع الكارتونية، تعدث داعش بذلك الخط الأحمر للثورة.

و بذلك كانت مظاهرات الجمعة الشاملة على مستوى الوطن في 2014، غير موجهة نحو النظام، و لكنها كانت ضد داعش لقتلها و تعذيبها الدكتور حسين السليمان ( الإسم الحركي أبو ريان) و هو طبيب و قائد في حركة أحرار الشام الإسلامية. و بالإشارة لتعذيبه و التمثيل بجثته، أصدرت الجبهة الإسلامية بياناً صرحت فيه بان تعامل داعش معه كان ” أسوء من نظام الأسد.”

و تلك الأفعال السياسية تتوافق مع الهجوم العسكري متعدد المسارات على جميع المناطق المحررة على يد الألوية الإسلامية و غير الإسلامية على السواء، من أجل إزالة سرطان داعش. نصف سنة من الحرب الباردة، من الضيم المتراكم بصمت، الأخطاء، و الظلم الذي غلى لينفجر في حرب ساخنة في فترة تقل عن 24 ساعة.

الثورة داخل الثورة ضد داعش، كانت تأكيداً قوياً لسماتها الشعبية الديمقراطية بالإضافة لكونها أيضاً تصوير حول مدى خطورة الخطأ في فهم الخطوط داخل المعسكر الإسلامي و كيف أن داعش تستغل الطغيان بكافة اشكاله ، و لذلك توجب إقتلاعها ، هزيمتها و تدميرها.

صديق اليوم، عدو الغد

حتى نستنتج: هل الإسلاميين، السلفيون، و الجهاديون أصدقاء للثورة أم أعداء للشعب؟ معظم النزعات الإسلامية هم أصدقاء للمرحلة الأولى من الثورة الديمقراطية: تدمير آلة الدولة القديمة. تدمير الطاغية القديم. و مرة أخرى، كما علمنا ماركس ” في أي مكان يكون فيه هدف الصراع ضد الحكومة الموجودة، نقوم بالتحالف حتى مع أعدائنا.” و فيما لو كانت مجموعة ما، حزب، إئتلاف، أو تحالفات عدوة للشعب بشكل عام أو في لحظة ما، فلا يعتمد ذلك الأمر على أيديولوجيتها  و لكن ذلك يعتمد على ما يقومون بتنفيذه في الممارسة. و كديمقراطيين ثائرين، فالإشتراكيين هم مع الإسلاميين طالما كانوا يحاربون الفاشية و هم ضد الإسلاميين طالما حاول الإسلاميين فرض وجهات نظرهم أو قاموا بشكل آخر بإضطهاد الشعب.

أفراد حركة أحرار الشام الإسلامية يجلدون أصحاب الدكاكين في السكرية، حلب لأنهم لم يقوموا بإغلاق محالهم خلال صلاة الجمعة.

خلال المرحلة الثانية من الثورة – الصراع لتشكيل نظام ديمقراطي سياسي – سينقسمون إلى جزئين كما حصل مع النزعات الإسلامية المتحدة سابقاً عندما إنقسمت لمعسكرين: أولئك الذين تكون الأولوية للدولة  لديهم ، هي إسلاميتها بدلاً من ديمقراطيتها و أولئك الذين تكون ديمقراطية الدولة لديهم لها الأولوية على إسلاميتها. و النصر في الصراع من أجل الحرية ضد الطغيان سيرى نزاعاً جديداً يتطور ما بين الثيوقراطية و الديمقراطية،و هو  الأمر الذي يتم التعبير عنه في الأجهزة القانونية المتخاصمة في حلب. فالمتظاهرين المتحدين اليوم في المطالبة بإسقاط النظام سينقسمون أيضاً حول ما الذي يجب أن يحل مكانه و حول كيفية تحقيق ذلك: من الذي يجب عليه تشكيل الحكومة الإنتقالية؟ هل يجب أن تكون الإنتخابات عبارة عن مجالس تمثيل للشعب قبل كتابة الدستور الجديد أم العكس؟ ما الدور الذي يجب أن تلعبه عقيدة الإسلام و علماء الدين، في حال حدث ذلك، في الدولة الجديدة؟ ما هو أفضل نظام لحماية حقوق الأقليات، أصحاب الرأي الآخر، و المجموعات المضطهدة الأخرى مثل الأكراد؟ ما هي الحدود و القيود للحريات التي تم الفوز بها حديثاً؟

و بينما يعتبر من المستحيل رؤية فيما لو وقف الإشتراكيين في نفس الجانب مع العناصر الإسلامية في مثل تلك المعارك المستقبلية،و لكن  ولائنا سيكون دائماً للطبقات العاملة و للشرائح المضطهدة.

مثل ذلك الولاء هو مطلق و سيحكم جميع و أي تحالفات مرحلية سندخلها خلال القتال ذي المراحل الطويلة من أجل تشكيل مجتمع لا يوجد فيه حكام و محكومين، مُستًغل و مستغلين، ظالم  و مضطهدين.

Advertisements